محمد بن يزيد المبرد
600
المقتضب
فلذلك لزمت اللام ؛ لأنّك قد تذكر الأفعال ، ولا تذكر المقسم به ، فتقول : « لأنطلقنّ » ، فيعلم أنّ هذا على تقدير اليمين ، وأنّه ليس للحال . فلهذا أجري ما ذكرت لك . فأمّا اللام ، فهي وصلة للقسم ؛ لأنّ للقسم أدوات تصله بالمقسم به ، ولا يتّصل إلّا ببعضها . فمن ذلك : « اللام » ، تقول : « واللّه لأقومنّ » ، و « واللّه لزيد أفضل من عمرو » . ولولا اللام ، لم تتّصل . وكذلك « إنّ » . تقول : « واللّه إنّ زيدا لمنطلق » . وإن شئت قلت : « واللّه إنّ زيدا منطلق » . وكذلك « لا » في النفي ، و « ما » . تقول : « واللّه لا أضربك » ، « واللّه ما أكرمك » ، ولا تحتاج إلى النون ، لأنّ « ما » يدلّ على الحال ؛ كما تدلّ « إنّ » إذا قلت : « واللّه إنّي لأكرمك » . وتدلّ « لا » على ما لم يقع ؛ كما تدلّ النون عليه إذا قلت : « واللّه لأفعلنّ » ، ثمّ نفيت ، فقلت : « واللّه لا أفعل » . فهذا مبيّن بأنفس الحروف مستغن فيه عن غيرها ؛ لأنّ النون إنّما دخلت لتفصل بين معنيين ، فإذا كان الفصل بغيرها ، لم تحتج إليها . واعلم أنّ قولك : « أقسمت لأفعلنّ » ، و « أقسمت لا تفعل » ، بمنزلة قولك : « قلت : واللّه لا تفعل » ، و « قلت : واللّه لتفعلنّ » . واعلم أنّك إذا أقسمت على فعل ماض ، فأدخلت عليه اللام ، لم تجمع بين اللام والنون ؛ لأنّ الفعل الماضي مبنيّ على الفتح غير متغيّرة لامه ، وإنّما تدخل النون على ما لم يقع كما ذكرت . فلمّا كانت لا تقع لما يكون في الحال ، كانت من الماضي أبعد . وذلك قولك : « واللّه لرأيت زيدا يضرب عمرا » ، فأنكرت ذلك . وإن وصلت اللام ب « قد » فجيّد بالغ . تقول : « واللّه لقد رأيت زيدا » ، « واللّه لقد انطلق في حاجتك » . وسنفسر الفصل بين الفعل ب « قد » وبين الفعل إذا لم تدخله . * * * أمّا « قد » فأصلها أن تكون مخاطبة لقوم يتوقّعون الخبر . فإذا قلت : « قد جاء زيد » ، لم تضع هذا الكلام ابتداء على غير أمر كان بينك وبينه ، أو أمر تعلم أنّه لا يتوقّعه . فإن أدخلت اللام على « قد » ، فإنّما تدخلها على هذا الوجه .